شهر رمضان في مملكة البحرين يتسم بتقاليد راسخة تجسد قيم المحبة والتواصل

استقبلت مملكة البحرين اليوم الإثنين السادس من مايو نسائم شهر رمضان المبارك مع إعلان هيئة الرؤية الشرعية أمس ثبوت رؤية هلال رمضان. وقد استهل الصائمون الشهر الفضيل بفرحة أبهجت قلوبهم عندما وصلتهم رسالة نصية من حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المفدى لتهنئتهم بحلول شهر رمضان المبارك.


وعبر المواطنون عن سعادتهم وامتنانهم لجلالة الملك المفدى عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، مؤكدين أنها لفتة كريمة زادت الفرحة والبهجة بمقدم شهر رمضان المبارك، سائلين المولى عز وجل أن يحفظ جلالته ويرعاه ذخرًا للوطن وأبًا للجميع، وأن يعيد هذه المناسبة الكريمة على جلالته بموفور الصحة والسعادة، وعلى مملكة البحرين وشعبها العزيز بالخير والرفعة والتقدم.
إن لشهر رمضان في مملكة البحرين تقاليد راسخة تجسد قيم المحبة والتواصل وتتسم بالأجواء الإيمانية الروحانية التي يتميز بها الشهر الكريم حيث تعمر المساجد بالمصلين الذين يحرصون على أداء الصلوات جماعة وأداء صلاة التراويح.
ويتسم شهر رمضان الفضيل بالتواصل بين الأهل والأصحاب والأصدقاء، حيث يبتهجون بحلول الشهر الفضيل بتبادل التهاني والتبريكات، وذلك عن طريق الزيارات بعد صلاة التراويح سواء للرجال أو النساء بشكل مكثف، ويحرص الجميع من المواطنين والمقيمين على ارتياد المجالس الرمضانية نظرًا لأهميتها في تعزيز روح الألفة والتواصل.
وفي الماضي كان لقدوم شهر رمضان المبارك عادات تجرى في غالبية مناطق البحرين، فما أن يهل شهر شعبان حتى ترى الكثير من العائلات في البحرين قد بدأت بالاستعداد لاستقبال شهر رمضان الكريم، ولبساطة الناس في ذلك الوقت كانوا يتعاونون في دق الحب (طحن الدقيق)، وقد كست وجوههم الفرحة والبهجة في انتظار هذا الشهر المبارك، وكان أهل المنزل يقومون بـ (تصفير) أوانيهم القديمة، وإعادة صقلها، وكانت عملية (تصفير الأواني النحاسية المستخدمة آنذاك) تتم باستدعاء شخص يسمى “صفار الجدور”.
وارتبط شهر رمضان المبارك بإعداد أطباق خاصة لا غني عنها في المجتمع البحريني والتي تتواجد بشكل يومي على السفرة الرمضانية ومنها التمر و(الثريد) و(الهريس) و(اللقيمات) و(الخنفروش) و(الكباب) والحلويات (المحلبية) و(الفالودة) و(قرص الطابي).
كما ان من العادات المتبعة حتى يومنا هذا تبادل أطباق الأكلات الرمضانية بين الأهل والجيران والتي تتسم بالكرم وحسن الجوار حيث ترى الحي (الفريج) يعج بالأطفال الذين يسعون في توصيل تلك الأطباق قبيل إطلاق مدفع الإفطار.
وتكثر في ليالي الصيام الزيارات بين الاهل والاقرباء والأصدقاء والجلسات، وحضور الموائد (الغبقات)، حيث يقضي الحاضرون جزءاً من الليل في الحديث والسمر حتى الساعات المتأخرة من الليل، وتزخر الموائد اثناء (الغبقات) التي تقدم وتحمل أطباق متنوعة من الأطعمة والحلويات.
ومن أبرز السمات الاجتماعية التي تتميز بها التقاليد البحرينية هي المجالس الرمضانية حيث تزيد اللقاءات الاجتماعية خلال هذا الشهر الكريم، كما يكثر الناس من قراءة القران في هذا الشهر الكريم، وقديما كان يأتي بأحد شيوخ الدين (الدراريس) وعمل حلقات دراسية لتلاوة القرآن الكريم وشرح تفاسيره.
وهناك العديد من مجالس العائلات البحرينية مستمرة على هذا النهج المتوارث تظل مفتوحة أمام الجميع والتي تفوح منها رائحة القهوة العربية المتميزة. ان لهذه المجالس دور تربوي كما هي المدارس في تعزيز قيم الترابط الإجتماعي وتعميق التواصل بين أفراد المجتمع فيما بينهم وتزيد من التكاتف المجتمعي وزرع روح المواطنة.
ويجتمع في المجالس الرمضانية رجال الأسرة والأصدقاء والمعارف لمناقشة الكثير من الاهتمامات.
ولشهر رمضان الكريم عند الاطفال فرحة خاصة، حيث كان الأطفال في الزمن الماضي يستقبلون الشهر الكريم بتجهيز الطبول الصغيرة؛ لأداء أغاني استقبال رمضان، وكانوا يعدون هذه الطبول من علب الصفيح المبطنة بالأكياس ومادة النشا، وبعد الانتهاء من تجهيزها يخرجون من جميع الأحياء مجتمعين على ترديد الأهزوجة الرمضانية (حياك الله يا رمضان .. يابو القرع والبيديان “الباذنجان”)، وخص الأطفال بالذكر القرع والبيديان في أغانيهم؛ لأنهما من أكثر المواد النباتية استخداما في إعداد (الثريد)، وهي أكلة تراثية. ففي ظل غياب وسائل الاتصال الحديثة، كان الناس يستبشرون بقدوم شهر رمضان من سماع دوي غناء الأطفال وقرع طبولهم في الأحياء.
ويعد مدفع رمضان أحد العادات العريقة المتواصلة في البحرين خلال شهر رمضان والتي لا تزال تحافظ على وجودها، ورغم التطور التكنولوجي وتغير الكثير من العادات الرمضانية لا يزال مدفع رمضان قريبًا من قلوب البحرينيين لما يحمله من ذكريات ومعاني تراثية متجذرة. ويسمع صوت المدفع مرتين؛ إحداهما عند غروب الشمس، وقت الإفطار، ومرة أخرى في الفجر لتحديد وقت الإمساك وبدء الصيام.
ومن طقوس رمضان القديمة والتي لا تزال حتى وقتنا هذا والمحببة إلى القلوب المسحر أو “أبو طبيلة”، وهو الشخص الذي يوقظ النيام للسحور، وسُمِّي أبوطبيلة لأنّه يحمل معه طبلاً ينقرُ عليه بعصاه كلما مرّ على بيت من البيوت ليحثّ الناس على القيام من النوم، وبين فترة وأخرى يردد الأدعية الدينية التي تناسب مع هذا الشهر المبارك.
وفي ليلة القرقاعون، وهي الليلة التي تصادف ليلة الخامس عشر من شهر رمضان، يخرج الأطفال على شكل جماعات، يطرقون الأبواب من أجل الحصول على المكسرات والحلوى، واحتفاء بهذه المناسبة، ترتدي الفتيات البخنق، وهو لباس تقليدي للفتاة يتكون من غطاء أسود مصنوع من قماش شفاف، ويزين البخنق بعض النقوش المطرزة بخيوط ذهبية، وفي العادة يتم وضع حلية من الذهب على رقبة الفتاة تسمى الهلال.
أما بالنسبة للأولاد فهم يرتدون الثياب التقليدية المتوافرة إلى جانب الثوب (الدشداشة والقحفية)، وهي طاقية مطرزة إلى جانب ارتداء السديري المطرز. ويردد الأطفال أهازيج شعبية وهم يطرقون الأبواب في الفريج، ومنها “قرقاعون عادت عليكم يالصيام، عطونا الله يعطيكم بيت مكة يوديكم، يا مكة يا المعمورة”.
أهالي البحرين على إحياء الليالي العشر الأخيرة من رمضان، وتحري ليلة القدر، في ظل أجواء روحانية كبيرة. ومع إعلان رؤية هلال شهر شوال يتجمع أهالي الأحياء في مسيرات تسمى “الوداع”، وفيها ينشدون الأناشيد التراثية مودعين الشهر الكريم، داعين الله عز وجل أن يعيده عليهم أعواما عديدة وأزمنة مديدة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق